“عبده خال”.. الإيغال في الرواية حتى “الشرر”
فيصل سعد الجهني
كان خبر تتويج الأديب الروائي(عبده خال)لجائزة بوكر للرواية العربية في سنتها الثالثة عن روايته(ترمي بشرر) مبهجا لنا جميعا,وهو يسجل لنا حضورا فاعلا في المشهد الثقافي الآخر,خاصة و إنها تفوقت على115عملاً روائياً من بين17دولة عربية.هذا التتويج كان ثمرة مستحقة لإيغال مؤرق في تقنيات السرد وفنونه,ف(خال) مفعم بالرواية حد الوجع,أنهكته الرواية وأنهكها حتى استطاع أن يلج إلى فضاءاتها الخالصة التي بدأنا نستشعر أطيافها في روايته(الطين)ذات المستويات الحوارية المتعددة-التي ظننا أنه استنفد فيها كل طاقاته الفنية-وإلى رواية(فسوق)التي استندت على لحظة انسانية فنية غامرة بالدهشة والفجيعة,وحتى(ترمي بشرر)صاحبة الجائزة الأخيرة.الحقيقة إن ذلك المشهد لم يكن عابرا في ذاكرة التلقي بل مثيرا العديد من التداعيات,لعل أبرزها: 1-فوز(عبده خال)في تلك الجائزة يؤكد مصداقية اللجنة المحكمة والمؤسسة الثقافية الحاضنة-إلى حد كبير -على الأقل بوضع روايته على طاولة التتويج إياها التي احتضنت-من قبل-روايتين سابقتين ذات قيم فنية مقنعة,ثم بالنسبة إلى المسابقات والجوائز في ساحتنا الثقافية,كجائزتي(سوق عكاظ) في الطائف,وجائزة(أفضل رواية للعام)في حائل,فالأولى انبثقت من شروط غير شعرية(من الأساس)يقترب النص الشعري الذي يخاتلها من النصوص المدرسية,من خلال معيارية النموذج وحتمية المضامين!والثانية ارتهنت إلى لجنة تحكيمية عجيبة استبعدت أعمالا روائية جادة-بالفعل-في تلمس خطى الرواية الحقيقية(كروايتي المنهوبة-لعواض العصيمي,وتقاطع-لصلاح القرشي..)في مقابل إعطاء أصواتها(المتوترة)لأعمال تبتعد كثيرا عن تعقيدات الجماليات الروائية,بالرغم من أن نادي حائل الأدبي مقرر الجائزة هو الأكثر توهجا وعطاء وتفاعلا من بين أنديتنا الأدبية في الفترة الأخيرة . 2-مادام اننا في غمرة الافتتان الثقافي الجمعي بجنس الرواية-فدور النشر قد اعتادت قبل مايقارب عقدا ونصف من الزمن على ممارسة صياغة تراكمية هائلة لإنتاج أكبر عدد ممكن من الأعمال القصصية السعودية-ومادام أن(بوكر)قد ذهبت لروائي محلي-وهو يستحق-ومادام ان أكثر الكتب طلبا وتداولا في معرض الرياض الأخير هي الكتب الروائية,فإن الفرصة سانحة لأن أزعم بأن العامل الذي ساعد على تكوين ذلك الزخم الهائل من الاصدارات القصصية لدينا هو الرغبة الجارفة-فقط-في البوح التلقائي لمشاعر ظلت قابعة في الذات الكاتبة لزمن طويل ثم قدر لها فجأة أن تمنح الفرصة للظهور والعرض لتفرح الطيور القابعة بمعانقة الفضاء وتبدأ في إطلاق ترانيمها البريئة الأولى والتي تمحورت حول انتقاد أتون عالمها الأول والرغبة المريرة في تجاوزه,لتدور الروايات السعودية إجمالا حول مفارقات الواقع المعاش ومحاولة كشفه وتعريته بأكثر الطرق سرعة ومباشرة,بعيدا عن أية اهتمامات فنية,لتنحصر رواياتنا المحلية في ثلاثة أنواع روائية:الرواية الرومانسية الشعرية التي تنبثق من كثافة العاطفة الشعورية واللغة الشعرية ,والرواية الواقعية التاريخية التي تنطلق من حصيلة معرفية تاريخيةوافرة متفاعلةمع البنى الاجتماعية لرغبة ملحة في صياغة تلك المضامين(الجريئة) في قالب سردي يظل تخيليا لدى الرقباء,والرواية الاجتماعية التي يزعم كتابها مقاربة المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي,من خلال منظور نفعي للعمل الأدبي,التي تكمن قيمته عندئذ في الرسالة التي يريد إيصالها,من غير اعتبار للقيمة الأدبية للرسالة ذاتها.الرواية الخالصة أكبر من ذلك بكثير,ربما لايتسع المجال لمقاربة ملامحها,ولكن لعلنا نجدها في أطياف كاروثر الذي يؤكد على إن الرواية يجب أن تقدم إدراكا فلسفيا جديدا للكون والانسان والحياة,وميلان كونديرا الذي طالما كان يردد بأن «الرواية التي لاتكشف جزءا من الوجود لايزال مجهولا هي رواية لاأخلاقية,إذ أن المعرفة-لديه-هي أخلاقية الرواية الوحيدة»كما نجد أطيافها في شخصيات مغايرة خالدة(كشخصية زوربا-لكازانتزاكس,وغرنوي في عطر زوسكيند,ودميان-لهيرمان هيسه, وخاتم-رجاء عالم),وفضاءات تكتسب قيمتها من ذاتها,من أشكالها وألوانها وروائحها وأصدائها(سمرقند-أمين معلوف,دير الرهبان-في اسم الوردة لإمبرتو إيكو,سفوح التوندرا الثلجية-في رواية أغاغوك لإيف توريو)كما نجد أطيافها المشعة في الروايات المتعددة الأصوات ذات الطابع الحواري التي احتفى بها الناقد الهائل باختين وهو يقرأ الروائي البوليفوني دستوفسكي,وفي سردنا العربي تبرز حوارية صنع الله إبراهيم وهو يصيغ معظم سردياته على عدة مسارات حكائية ولغوية. وحتى لاتأخذني غواية تلك المآثر الأدبية بعيدا عن منتجنا السردي,فثمة أعمال جادة في الجانب الايجابي الآخر كتبت بدرجات مقنعة من الوعي بفن الرواية وتجلياتها المتنوعة(رجاء عالم في كل رواياتها,ورواية شرق الوادي لتركي الحمد,وسقف الكفاية لعلوان وبحريات لأميمة الخميس والقارورة ثم الرواية الجديدة ليوسف المحيميد,منهوبة العصيمي وتقاطع القرشي..) 3-تزامن معرض الرياض الدولي الأخير للكتاب مع إعلان خبر فوز عبده خال ببوكر الرواية العربية,وكانت الفرصة لاتزال سانحة لمؤسستنا الثقافية الكبرى في دعوة(خال)مباشرة واستضافته كرمز من رموز(الكتاب)وتكريمه(وكل ذلك الفعل الثقافي النبيل والمستحق لايكلف وزارتنا الموقرة أكثر من ألفي ريال شاملة تذكرة الطيران والاقامة ليومين وتذكار التكريم)..أليس أديبنا المحلي(عبده خال)هو المتوج على عرش احدى تجليات الكتاب على المستوى العربي كله؟.هل يظل قدرنا مع المبدعين على تراب هذه الأرض المباركة التجاهل والنسيان إلى أن تذبل الأغصان الوارفة أو تتوقف الطيور المغردة عن الانشاد.لن أذهب بعيدا للكشف عن تجليات المقارنة الفاضحة مع العالم الغربي البعيد,فقد خصص الفلسطينيون يوما وطنيا ثقافيا ثابتا(13مارس من كل عام) للاحتفاء بمحمود درويش.كم هي المسافة شاسعة بين ذلك الاحتفاء الأبدي ومطالبنا(الأبدية)في تكريم مبدعينا ليومين-فقط -على امتداد سنوات حياتهم,حتى ولو كانت الاستجابة لذلك التكريم تأتي على طريقة(رفع الحرج)عن مؤسستنا الثقافيةالكبرى أمام المؤسسات الثقافية العربية الأخرى..وأخيرا فليت المنظمين لمهرجان الجنادرية الذي تبدأ نشاطاته(الفعلية)اليوم أن يستدركوا الأمر ويكونوا قد بادروا بدعوة(خال)للتكريم في عاصمتنا الحبيبة الرياض,خاصة وأن المهرجان هو احتفالية عامة بالتراث(وبالثقافة عامة)..
تقييم المادة :
No votes yet





إضافة تعليق
إعلان مرئي


الرئيسية :: حول المؤسسة :: الاشتراكات :: الإعلان :: معلومات الاتصال

الحقوق محفوظة لمؤسسة المدينة للصحافة والنشر © 2010