
رغم أنني من المؤمنين بالمنهج العلمي في التعاطي مع الواقع، إلاّ أنني لا أرى بأن العلم يحتكر الحقيقة كلها.
سلطة العلم في إخضاع الواقع بكل مكوناته بما فيها المكون البشري هي بالفعل عظيمة، لكن هذا لا يعني أن المعرفة تقتصر على العلم، كما أنه لا يعني بأن المنهج العلمي هو الطريق الوحيد لإيجاد الحقيقة.
الغرب نفسه بدأ منذ عقود في الاعتراف بالعلوم الباطنية والاستفادة منها في عملية تنمية الفرد. المسألة لم تعد خاصة بانتشار مراكز تعليم (اليوغا) والتدريب على فنون الاسترخاء والتحكم في الجهاز العصبي، والسيطرة على كافة أعضاء الجسم، بل إن الأمر وصل إلى استعانة معظم مراكز مكافحة السرطان في الولايات المتحدة، وفي الغرب عمومًا بمعالجي الطاقة.
هذا يعني ببساطة أن هناك مصالحة وصلت إلى حد التعاون بين المنهج العلمي كفلسفة تتعاطى مع الواقع، وبين المعارف أو العلوم الباطنية المعنية بالتعاطي مع الواقع الفردي، وبالتالي الواقع الإنساني ككل. وهو ما لم يكن ليحدث في العصور التي سيطرت عليها الكنيسة، أو في القرون التي أصبحت فلسفة المنهج العلمي فيها تمتلك سلطة مطلقة. وهو ما يجعلنا نقول بملء الفم: إن العقل البشري تجاوز الحدّية، والقطعية التي كانت سائدة في العصور التي شهدت إعلان الحقيقة المطلقة من جانب واحد، سواء كان هذا الجانب هو الكنيسة أو العلم.
لقد استعاد المنهج العلمي بكارته منذ أن أعاد الاعتبار للشك الذي يُعدُّ في الأصل المبدأ الأساس لفلسفة المنهج العلمي.