التساهل في أحكام الاغتصاب والتحرش.. ؟!‏
طريف عيد السليطي
إن جهاز القضاء، على خلاف الكثير من المؤسسات الإدارية والتنفيذية، ‏هو جهاز شديد التعقيد والأهمية، نظير ارتباطه بمسألة نراها على قدر ‏كبير من الحساسية: وهي مسألة العدالة!! ولا داعي للتذكير بأن مفهوم ‏العدالة يلعب دوراً محورياً وجذرياً في حياة كل أمة وكل شعب، بل إننا لا ‏نلفي شعباً من الشعوب إلا ونجد لديه حداًَ أدنى من مثاليات العدالة. ولو ‏فسد القضاء لفسد البلد كله، ولو تقوّم القضاء لتقوّمت الأمور في مُستوياتها ‏ومُعدلاتها الوسطى على الأقل. وهنا لن نخوض في المعمعة النظرية بشأن ‏القضاء نفسه من حيث ارتباطه بنهوض الأمم وانتشار مبادئ العدالة ‏والإنسانية واحترام الأفراد، فهذا ما أراه من البديهيات التي لا تحتاج ‏للتذكير؛ ولكن سأخوض بقضية أجدها على غاية الخطورة وبالذات فيما ‏يخص أمن القاصرين والنساء على وجه التخصيص، تلك هي قضية «‏التحرش» و«الاغتصاب» وهما قضيتان أجدهما على قدر من الانتشار ‏المُؤسف، لا سيما النوع الأول منهما.‏ فالتحرش الجنسي هو -غالباً- بوابة تفضي إلى الاغتصاب، ويفترض أن ‏يكون للتحرش عقوبته الخاصة والمستقلة عن الاغتصاب نفسه، ولكن -‏وبحسب علمي- أنه لا توجد عقوبة قضائية منصوص عليها ضد التحرش ‏بحد ذاته، فهو ملحق بالأحكام التعزيرية والخاضعة لإرادة القاضي لا إرادة ‏القانون والشريعة؛ وسبب ذلك أنه لا يوجد «حد» منصوص عليه من ‏مصادر التشريع (القرآن والسنة) على هذا السلوك الإجرامي واللا أخلاقي‏‏، ولكن هذا الأمر لا يعني بأي حال من الأحوال التغاضي عن «وضع» و«ابتكار» عقوبات جديدة وحديثة ضد هذا السلوك، لا سيما وأنه يمكن ‏قياس عقوبة مستنبطة من صريح النصوص الدينية والتجارب البشرية ‏المبنية على الفطرة السليمة، فمثلما تم استحداث عقوبات عسكرية وسياسية ‏واقتصادية، الخ، كذلك فإنه بالإمكان -وطبقاً لهذه الأداة القياسية- أن ‏تستحدث عقوبة بصدد التحرش الجنسي، كما أن هذه العقوبة يفترض أن ‏تتدرج قوتها، بدءاً من التحرش اللفظي وانتهاء بالتحرش الجسماني، وأن ‏تكون ثمة مواد قانونية وتشريعية مؤطرة ومقننة تحارب بطريقة واضحة ‏مثل هذه السلوكيات اللا إنسانية.‏ والاغتصاب هو الآخر، وبالرغم من كونه سلوكاً أكثر قباحة ودمامة من ‏التحرش، بل هو الخاتمة المنطقية والأكيدة له، إلا أنه هو الآخر لا يخضع ‏لمادة قانونية صارمة: ولنأخذ مثلاً قضية فتاة «القطيف» التي تم ‏اغتصابها من قبل سبعة رجال ومع هذا فلم يتم الحكم عليهم بصورة مباشرة ‏نظراً لعدم وجود مادة قانونية تتيح رصد جريمة الاغتصاب بشكل دقيق ‏والمعاقبة عليها بطريقة واضحة حتى جاء قرار الملك عبدالله لينقذ هذه ‏الفتاة من مصيرها المجهول، ومثل فتاة القطيف فإنه قد وقعت حادثة ‏اغتصاب لفتاة «الدمام» المراهِقة بنت الستة عشر ربيعاً التي اغتصبها ‏والدها ومع هذا فإنه لم يحاكم إلا بأربع سنوات فقط وكأنه قد تم إرساله ‏لقضاء فترة نقاهة في السجن وليس أن يُعاقب عقاباً يتوازى مع جريمته! ومما لا شك فيه أن التساهل مع مثل هذه الجرائم لن يؤدي إلا لانتشارها ‏وذيوعها أكثر مما هي عليه في حقيقة الأمر. والموجع أن اليقظة دائماً لا ‏تكون إلا بعد استفحال الداء وانتشار المرض وتناسل الجرائم وتناسخ ‏الخروقات اللاأخلاقية، وكأننا محميّون بمعجزة من المعجزات، أو لكأننا ‏ننتظر أعجوبة من الأعاجيب التي تحمينا، فلا قدرة لنا ولا مشيئة على ‏حماية أنفسنا ولا قانون صارم يحمينا ويردع الشراذم المجرمة. والأغرب ‏من هذا أنه بالغالب لا توجد وقاية كافية أو توعية اجتماعية وإعلامية حول ‏مخاطر مثل هذه الجرائم وكيفية اتقائها والاحتراز منها، بل غالباً ما ‏تُتجاهل ليتم الانشغال بأخبار وقضايا هامشية وربما تافهة قياساًَ بأمن النساء ‏والقاصرين، وبعد أن يقع الفأس على رؤوس الضحايا يُقرع فانوس ‏التحذيرات والتنبيهات ولكن بعد أن يمضي الأوان ويفوت. ومع هذا فإننا لا نعدم وجود التغييرات المتسارعة في الأحكام القضائية، ‏فقديماً لم يكن ليعترف بوجود ما يسمى بالجرائم المعلوماتية، ولا حتى ‏جرائم الابتزاز، بل إن المخالفات المرورية نفسها وحتى غرامات البلدية ‏هي عقوبات (حداثية) بمعنى أنها وليدة اجتهادات العصور الحاضرة ‏والقريبة وليست ذات سند تراثي أو فقهي؛ وهذا ما يدل دلالة قطعية على ‏أن جرائم هذا العصر -ومنها دون شك التحرش والاغتصاب- سيكون لها ‏تأصيل قانوني وشرعي، ولكن السؤال هو: إلى متى تغط تشريعاتنا في ‏سبات غويط لا يكاد يدرك الممارسات الفادحة والمرعبة التي يقوم بها ‏الأفراد غير الأسوياء ضد الفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع؟ وهل ‏بالإمكان أن يكون ثمة (شرع) وقائي يحارب هذه الجرائم المنتشرة قبل ‏وقوعها؟ أم أن التأخر والتكاسل سيكونا المآل الدائم لتحركاتنا القضائية ‏تجاه مثل هذه الظواهر الخطيرة؟
تقييم المادة :
No votes yet





إضافة تعليق
إعلان مرئي


الرئيسية :: حول المؤسسة :: الاشتراكات :: الإعلان :: معلومات الاتصال

الحقوق محفوظة لمؤسسة المدينة للصحافة والنشر © 2010