أ.د. سالم بن أحمد سحاب

الدين على الحر الأبي حمل ثقيل وهم كبير، ومنه يستعيذ المؤمن ويستجير. ولو علم العاقل ما في الدّين من ذل وعنت، لما لجأ إليه إلا في أضيق الأحوال وأشد الضرورات! وأول السبل إلى تجنب الدين ترويض النفس على (لا) الناهية عن الكماليات الزائدة عن الحاجة في حال العسر. وحتى في حال اليسر وجب ترشيد مظاهر الترف، مثل استبدال (الجوال) كل شهرين أو ثلاثة، أو تغيير السيارة كل عامين أو ثلاثة دون سبب وجيه إلا حب التغيير لذاته أو للاستعراض والوجاهة ومباهاة الآخرين.
ويُروى عن حبيب بن ثابت قوله: (ما احتجت إلى شيء استقرضه إلا استقرضته من نفسي) يعني أنه ينوي الصبر إلى أن تتحسن أحواله المادية.
وقال أحدهم:
وإذا غلا شيء عليَّ تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وقال شاعر يندب حظه:
لقد كان القريض سمير قلبي فألهتني القروض عن القريض
أي شغلته الديون عن قرض الشعر الذي كان أنيسه وهواه.
وأسوأ أنواع الدين ما تحملته الجموع الكثيرة بسبب قرارات مجموعة صغيرة. وأوضح ما تكون هذه الكوارث عندما تقترض الحكومات باسم الوطن، إذ تذهب الحكومة وتبقى الديون على كاهل البلد كله، يعاني منها اقتصادها ويتضرر منها سكانها. ولعل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مستدين على وجه البسيطة منذ خلق آدم عليه السلام، إذ تجاوزت ديونها العدد 13، وعلى يمينه 12 صفراً (أي 13 تريليون دولار)، والعداد مستمر.
وأما المثال القائم على المعاناة الهائلة فهو اليونان التي توشك حكومتها على الإفلاس بسب ديون قاربت 370 مليار دولار. صحيح أن هذا المبلغ الضخم لا يتجاوز 3% من الدين الأمريكي، لكن حجم الاقتصاد اليوناني الممثل في إجمالي إنتاجه القومي لا يستطيع تحمل هذا المبلغ، فالدائنون سيمتنعون وسيطالبون بالفوائد أولاً ناهيك عن الدين نفسه.
الديون العامة آلية قد تناسب لحظتها لكنها في نهاية المطاف عبء كبير تتحمله البلاد ويتضرر منه العباد وخير منه شد البطون، لكن للجميع دون استثناء.
salem_sahab@hotmail.com