قبل أنْ نصلَ إلى المنجم، واستخراج خاماتِه، نحتاجُ إلى معرفةِ الأرض، وصخورها، وتراكيبها، ومواردها، ومخاطرها. هنا تبدأ الجيولوجيا، التي تتَّسعُ رسالتها؛ لتشمل احتياجات وطنٍ كاملٍ. ولذلك، يطرح إنشاء كليَّة للتَّعدين سؤالًا مهمًّا: أين سيكون موقعُ علوم الأرض بمختلف تخصُّصاتِها؟
فالجيولوجيا تشمل الصخورَ، والمعادنَ، والطبقاتِ، والأحافيرَ، والتراكيبَ الأرضيَّة، والبترولَ، وتتداخل مع الجيوفيزياء والجيوكيمياء. وتمتدُّ تطبيقاتها إلى المياه الجوفيَّة، والجيولوجيا الهندسيَّة لتقييم المواقع والمنحدرات والأنفاق، والجيولوجيا البيئيَّة، ودراسة مخاطر الزلازل، والبراكين، والانهيارات، والهبوط الأرضيِّ.
والمملكة، باتِّساعها، وتنوُّع تكويناتها ومشروعاتها، تحتاج إلى خرِّيجين مؤهّلين لهذه المجالات. ولا تعني الخرائط، والدراساتُ المتراكمةُ اكتمال معرفتنا بجيولوجيتها، فالخريطة الإقليميَّة لا تُغني عن الدراسات التفصيليَّة، وتطوُّر أدوات القياس والتحليل يكشف معلومات جديدة. لذلك، يظل تحديث الخرائط والتقارير الجيولوجيَّة ضرورةً مستمرّةً، مع مواكبة المستجدَّات في علوم الأرض.
ومن الطبيعيِّ أنْ تركّز كليَّة التعدين على الجيولوجيا المرتبطة بالخامات، والاستكشاف، وتقييم الرَّواسب. لكن حصر تعليم علوم الأرض في خدمة التَّعدين قد يضعف الاهتمام بتخصُّصات أُخرى يحتاجها الوطنُ. وهذا احتمال يستدعي تخطيطًا يحفظ التوازن بين المجالات.
وتقدِّم التجاربُ العالميَّةُ نماذجَ مناسبةً؛ ففي بريطانيا، يتبع قسم علوم الأرض بجامعة كوليدج لندن، كلية العلوم الرياضيَّة والفيزيائيَّة. وفي الولايات المتحدة، تحتضن كلية العلوم بجامعة أريزونا، تخصُّص علوم الأرض. وفي أستراليا، تضم كلية العلوم بجامعة موناش، مدرسة علوم الأرض، والغلاف الجوي، والبيئة، بمجالات تشمل المياه، والجيوفيزياء، والبراكين، والجيولوجيا الاقتصاديَّة.
وتدعم هذه النماذج وجود قسم متكامل لعلوم الأرض داخل كلية العلوم، مع التعاون مع التعدين والهندسة. كما يؤكِّد تقرير «رُؤية وتغيير في علوم الأرض»، المنشور عن المعهد الأمريكيِّ لعلوم الأرض، أهميَّة التَّدريب الحقليِّ، وتحليل البيانات والمهارات الحاسوبيَّة، وإعداد الخرِّيجين لمهن متعدِّدة.
ومع إعادة تنظيم التخصُّصات، يصبح من المنطقيِّ بحث عودة الجيولوجيا إلى كليَّة العلوم، باسم «الجيولوجيا»، أو «علوم الأرض»، مع الحفاظ على كوادرها، وتنوُّع برامجها، وصلتها بالعلوم الأساسيَّة. وتحتاج العودة إلى مناهج حديثة، وبحوث تطبيقيَّة، وشراكات ميدانيَّة، وتمويل مستدام، وتكامل يمنع ازدواج البرامج والتجهيزات.
وقد كانت كلية علوم الأرض السابقة، تضم معاملَ، ومختبراتٍ في مختلف التخصُّصات، تمثِّل استثمارًا علميًّا ينبغي صونه. فما لا تحتاج إليه كليَّة التعدين منها، فالأولى أنْ يعود إلى الكلية الأُم، كليَّة العلوم، لخدمة قسم الجيولوجيا، مع تجهيزاته، وكوادره الفنيَّة، وضمان تشغيله وصيانته.
فالمطلوب أنْ يضيف إنشاء كليَّة التعدين إلى قدرات الجامعة، مع استمرار علوم الأرض في تلبية احتياجات الوطن من الدراسات والتَّدريب في مجالات الموارد المائيَّة والبتروليَّة، والاستدامة البيئيَّة، ودرء المخاطر الجيولوجيَّة.