في كلِّ صباحٍ تتحرَّك آلافُ السيَّارات في اتِّجاهات متشابهةٍ، موظَّفُون إلى مقارِّ أعمالهم، وطُلاب إلى مدارسِهم، وأُسر تتقاسمُ الوقت بين الالتزامات اليوميَّة، والطُّرق المزدحمة، يتكرَّر المشهدُ حتَّى يبدُو جزءًا طبيعيًّا من حياة المُدن الكُبرى، مع أنَّ كثيرًا من تفاصيله يرتبط بطريقة تنظيم العمل والدِّراسة أكثر من ارتباطه بالحاجة الفعليَّة إلى التنقُّل.
وقد اعتدنا النَّظر إلى الازدحام باعتباره مشكلةَ طُرق، وتقاطعاتٍ، وإشاراتٍ مروريَّةٍ، مع أنَّ جانبًا منه يرتبطُ بتوقيت خروج النَّاس وعودتهم، وتزامن ساعات الدِّراسة، والدَّوام، وربَّما كانت هناك مساحة للتفكير في حلولٍ أُخْرى لا تحتاج إلى إنشاء طريقٍ جديدٍ، أو توسعة تقاطع، وإنَّما إلى تنظيمٍ مختلفٍ لبعض الأنشطة اليوميَّة.
وتعيد هذه المسألة إلى الذاكرة تجربة العمل والدراسة عن بُعد خلال جائحة كورونا، وهي تجربةٌ فرضتها ظروفٌ صحيَّةٌ استثنائيَّةٌ، لكنَّها فتحت أمام المجتمع آفاقًا واسعةً في التعامل مع الوقت والمكان والتقنية، استمرَّت أعمالٌ، وانتظمت العمليَّةُ التعليميَّةُ عبر المنصَّات الرقميَّة، واكتسب النَّاس خبرات جديدة في إدارة شؤونهم اليوميَّة، ومع عودة الحياة إلى طبيعتها.
وليس التَّعليم عن بُعد تجربة وُلِدت مع الجائحة، ففي الولايات المتحدة تأسَّست مدرسة فلوريدا الافتراضيَّة عام 1997 لتقدِّم نموذجًا تعليميًّا يعتمد على الدراسة الإلكترونيَّة قبل انتشار هذه الثقافة عالميًّا بسنوات طويلةٍ، وفي المملكة اعتمدت وزارةُ التعليم عام 2022 برنامج التَّعليم المدمج لمسارات المرحلة الثانويَّة، الذي يجمع بين الدِّراسة الحضوريَّة، والتعلُّم الإلكترونيِّ في مواد تخصصيَّة محدَّدة كما وضعت وزارة الموارد البشريَّة والتَّنمية الاجتماعيَّة تنظيمًا للعمل عن بُعد، ضمن تطوير أنماط العمل، ورفع مرونة سوق العمل.
هذه التجارب تفتح مجالًا أوسعَ للنَّظر إلى العمل والدِّراسة عن بُعد، باعتبارهما جزءًا من الحلول الممكنة للحياة اليوميَّة، وليس مجرَّد وسيلة تلجأ إليها المؤسَّسات عند حدوث ظرفٍ طارئٍ، فالتقنيةُ متاحةٌ، والتجربةُ موجودةٌ، والقدرةُ على إدارةِ كثيرٍ من الأعمال والأنشطة التعليميَّة خارج المباني لم تعد فكرةً نظريَّةً تحتاج إلى إثباتِ وجودها.
ولعلَّ أكثر ما يستحقُّ التأمُّل أنَّ المدن الكبيرة، وفي مقدِّمتها الرِّياض وجدَّة، تعيشُ نموًّا متسارعًا في الأنشطة، والخدمات، والحركة السكانيَّة، وهو ما يجعل إدارة التنقُّل اليومي قضيَّة تتَّصل بجودة الحياة، والصحَّة، والاقتصاد، والبيئة.
وهناك جانبٌ صحيٌّ لا يقلُّ أهميَّةً خاصَّةً في بداية العام الدراسيِّ والفترات المصاحبة لانتشار (الأمراض التنفسيَّة الموسميَّة)، فالمدارس بيئات اجتماعيَّة وتعليميَّة واسعة، ويتطلَّب الحفاظ على صحَّة طلابها ومنسوبيها إجراءات وقائيَّة مستمرَّة، وقد يضيف التَّعليم المرن، عند الحاجة، ووفق التقييم الصحيِّ والتربويِّ، وسيلةً مساندةً لتخفيف الاختلاط في بعض الظروف، دون المساس بأهميَّة المدرسة ودورها في بناء شخصيَّة الطالب وعلاقاته الاجتماعيَّة وتفاعله المباشر مع المعلِّم.
قد نتفق أنَّ (العمل والدراسة عن بُعد) لا يصلحان بالدَّرجة نفسها لجميع المراحل والوظائف. فهناك أعمال ميدانيَّة، وخدمات مباشرة، وتجارب تعليميَّة، ومختبرات تحتاج إلى الحضور، وهناك طلاب تتطلَّب أعمارهم متابعةً لصيقةً، وتفاعلًا يوميًّا داخل الفصل، وبطبيعة البيوت قد تختلف في إمكاناتها وظروفها، وقد تتحوَّل الدِّراسة المنزليَّة لدى بعض الأُسر إلى عبءٍ إضافيٍّ، خاصَّة إذا تعارضت مع ارتباطات الوالدين الوظيفيَّة، وهذه اعتبارات أساسيَّة في أيِّ تنظيم متوازن لهذه الثقافة.
ومن هنا تبدُو فكرة التطبيق الجزئيِّ أكثر ملاءمة، من خلال تجربةٍ محدودةٍ في بعض المدن الكبرى، تخصص بموجبها أيام دوريَّة للدراسة عن بُعد في المراحل، والمواد المناسبة، بالتَّوازي مع إتاحة العمل المرن لبعض الوظائف المكتبيَّة التي تسمح طبيعتها بذلك، ويمكن توزيع هذه الأيام بين المدارس، والجهات، والأحياء، بحيث لا ينتقل الجميع إلى النمط الرقميِّ في يوم واحد، مع المحافظة على الأيام الدراسيَّة المعتمدة، ومستوى التحصيل، وجودة الخدمات.
وقد يكون الفصلُ الدراسيُّ الواحدُ مدَّة مناسبة لقياس جدوى التجربة، ليس من خلال انتظام الحضور الإلكترونيِّ وحده، وإنَّما عبر مؤشِّرات تشمل (التحصيل العلمي) – (الإنتاجيَّة) - (حركة المرور) - (الغياب)، ورضا الأُسر والعاملين، ومن شأن النتائج أنْ تقدِّم صورةً أوضحَ عن المجالات القادرة على الاستفادة من هذا التنظيم، والحدود المناسبة لتطبيقه، والتعديلات اللازمة لضمان استمراره.
إنَّ القيمة الحقيقيَّة لهذه الثقافة تتجاوز توفير الوقت المستغرق في الطريق، فهي تمتد إلى تخفيف الأعباء اليومية على الأسر، وإتاحة مساحة أوسع للتوازن بين الحياة والعمل، والاستفادة من الموارد التقنية، وتقليل بعض تكاليف التنقل والتشغيل، وهي مكاسب محتملة تستحق الدراسة والتجربة، مع الانتباه إلى أنَّ نتائجها تتفاوت بحسب طبيعة كل مجتمع ومؤسسة.
* نقطة تحت السطر:
ليس كلُّ حضورٍ دليلًا على الإنجاز، ولا كلُّ غيابٍ عن المكتبِ، أو الفصلِ انقطاعًا عن العمل والتعلُّم.. وربما كانت بعضُ الحلولِ التي نبحثُ عنها في شوارع مدنِنا موجودة بالفعل في تجاربنِا السَّابقة.. وتحتاجُ فقط إلى تنظيمٍ يمنحها فرصةَ الاستمرارِ.